الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

118

شرح ديوان ابن الفارض

وبراها الونى فحلّ براها خلّها ترتوي ثماد الوهاد [ الاعراب والمعنى ] برى يبري نحت ينحت فالمراد ونحت هذه العيس وأزال غالب شحمها ولحمها كما إذا بريت القلم فإنك ترققه وتزيل ما عليه من الغلظ . و « الونى » بفتح الواو وبعدها نون التعب . و « حل » بالحاء المهملة خلاف عقد . و « البرى » بضم الباء وبعدها راء جمع برة على وزن ثبة حلقة في أنف البعير أو في لحمة أنفه . « خلها » فعل أمر من التخلية أي اتركها واعلم أن الرواة يروون بعد خلها ، « ترتوي ثمام » بتاء مثناة من فوق وراء ساكنة وتاء مثناة أيضا وواو وياء من الري وهو إزالة العطش بشرب الماء وهو تحريف غير مستقيم وفيه غلطان : غلط من جهة اللفظ وغلط من جهة المعنى . أما ما كان من جهة اللفظ فهو أن ترتوي لا يتعدى بنفسه إلى المفعول به بل بواسطة حرف الجر فيقال ارتوى من الماء وهي ترتوي من الماء ، وأما ما كان من جهة المعنى فلأن الثمام بضم الثاء المثلثة عبارة عن نبت معروف والنبت لا يرتوى به وإنما يرعى فالصواب أن الرواية ترتعي من الرعى وهي تناول الماشية النبت فيصير المعنى دعها تستريح قليلا برعيها هذا النبت فإن رعيها له مما يوجب نعيمها وراحتها . و « الوهاد » بكسر الواو جمع وهدة . وهي الأماكن المنخضة وإنما خص ثمام الوهاد لأن الزرع الذي يكون في المكان المنخفض يكون يانعا نضيرا لطيفا هذا ما خطر لي بإلهام اللّه تبارك وتعالى . ثم أنني قد تفكرت وطلبت من اللّه تعالى أن يطلعني على حقيقة الحال فظهر لي بعد ذلك أن تكون الرواية ترتوي كما نقل في كثير من النسخ ولا يكون ثمام الوهاد بل ثماد بكسر الثاء على وزن كتاب وآخرها دال مهملة وهو الماء القليل وكونه في الوهاد مما يرجح كونه ماء وحينئذ يبقى في اللفظ حسن آخر وهو الموازنة بين ثماد ووهاد ولكن يبقى على هذا غلط اللفظ إذ لا يقال « ترتوي ثماد » بنصب ثماد على أن يكون مفعولا لترتوي ، لما ذكرناه من أن ترتوي لا يتعدى بنفسه والجواب أنه منصوب بنزع الخافض أي من ثماد الوهاد أو أن ترتوي يتضمن معنى تشرب فيتعدى بنفسه على التضمين . فتأمل فإن هذا الكلام على هذا البيت من نتائج الأفكار بل كل ما نقلته في هذا الشرح من بيان أو إعراب أو لغة أو بديع إنما هو من نتيجة فكري لكوني شرحته بكرا لم أسبق إلى بيانه ولم يتقدمني أحد إلى تبيانه ولم يكن سوى التوفيق باعثا عليه وسائقا إليه . وفي البيت الجناس المحرّف بين براها وبراها ، وانظر إلى حل وخل فإن بينهما تحريفا وتصحيفا . ( ن ) : قوله وحل براها حل البرا كناية عن رفع القيود الطبيعية والشهوات النفسانية . وقوله خلها الخطاب للحادي السابق ذكره والضمير للعيس المذكورة يعني يا